X

القارة السمراء” إفريقيا” تُحيّر منظمة الصحة العالمية وخبراء الصحة حول العالم

الخرطوم..وكالات..ترياق نيوز

مع وصول أول حالة إصابة بـ “كوفيد-19” إلى قارة أفريقيا، في مصر منتصف فبراير/شباط الماضي، ثم تلتها الحالة الثانية في الجزائر بعدها بنحو 10 أيام، التفتت أنظار العالم المرتعبة إلى أفريقيا وكأنهم كانوا قد نسوها خلال شهرين ونيف منذ بداية الجائحة، خاصة أنه بحلول نهاية الأسبوع الأول من مارس/آذار، كانت سبع دول أفريقية أخرى (الكاميرون والمغرب ونيجيريا والسنغال وجنوب أفريقيا وتوغو وتونس) قد أبلغت عن أكثر من 40 حالة إضافية، بالطبع تفهم السبب في هذا الانتباه المفاجئ والخائف، نحن نعرف أن الفقر هو أكبر حليف للفيروسات من هذا النوع .

 

كانت كل التوقعات متشائمة، ميلندا جايتس مثلا قالت في أحد لقاءاتها إن الوضع في أفريقيا سيكون مأساويا لدرجة أننا قد نرى جثثا ملقاة في الشوارع، أما منظمة الصحة العالمية فقد أصدرت نموذجا تنبؤيا يقول إنه خلال العام الأول للجائحة فإن أفريقيا ستشهد نحو ربع مليار إصابة مع وفيات تصل إلى مئتي ألف شخص، لكن الغريب في الأمر، وما أثار انتباه الكثير من الباحثين في هذا النطاق حقا، هو أن تلك التوقعات لم تحدث.

بينما نتحدث، فإن معظم الدول الأفريقية قد تخطَّت، أو في مرحلة التخطي للموجة الأولى من “كوفيد-19″، عدد الإصابات المُعلَن هو مليون ونصف في القارة التي يسكنها مليار و350 مليون شخص، هذا مثير حقا للانتباه، لأن دولة كالهند على سبيل المثال، لها تعداد السكان نفسه مثل قارة أفريقيا، قد سجَّلت إلى الآن نحو 6 ملايين حالة، مع إصابات يومية تتخطى 80 ألف مقارنة بعُشر الرقم فقط في قارة أفريقيا، لكن الأكثر إثارة للانتباه كان عدد الوفيات.

 

في مجمل القارة فإن عدد الوفيات وصل إلى 35 ألف شخص فقط، إنه الأقل بين قارات العالم كله إذا قمنا باستثناء أستراليا الصغيرة، لوهلة قد تظن أن السبب الرئيسي في هذه الفرضية القائلة إن إصابات أفريقيا، وكذلك وفياتها، أقل من المتوقَّع بسبب ضعف القدرة على الفحص، وكذلك ضعف المنظومة الصحية هناك بحيث يمكن أن يموت الناس قبل الوصول إلى مستشفى، هذه بالفعل فرضية مهمة لكنها تواجه مشكلة.

 

إذ إن دراسة أخيرة في كينيا تمت على نحو ثلاثة آلاف متبرع بالدم وجدت أن 5% من العينة لديها أجسام مضادة لهذا الفيروس، يعني ذلك أن هؤلاء قد أُصيبوا بالفيروس في مرحلة ما قبل عدة أشهر وربما لم يعرفوا بذلك. إذا قررنا تعميم نتائج التجربة فإن ذلك سيعني أكثر من مليون ونصف مصاب بالمرض هناك. دراسات شبيهة قادمة من ملاوي وموزمبيق وجنوب أفريقيا أشارت إلى نِسَب تبدأ من 3% وتصل إلى 12% من إجمالي العينات المشاركة.

إحدى المشكلات التي تواجه تلك الدراسات أن عيّناتها صغيرة للأسف، لا يمكن أن تكون دقيقة كفاية، لكنها جميعا تُشير إلى نقطة أساسية لوحظت بوضوح خلال مرور موجات الوباء الكبرى في المنطقة، وهي أن معدلات الخطورة الشديدة كانت قليلة، فرغم أن المنظومات الصحية لدول أفريقيا جنوب الصحراء ضعيفة حقا، وبالتالي يمكن أن نتوقع أعدادا كبيرة من الوفيات لم تُسجَّل، فإن هذه المنظومات لم ترصد إقبالا كارثيا في أوج الوباء.

 

ربما للوهلة الأولى تتصور أن الأمر مُتعلِّق بأن الكثير من سكان الدول الأفريقية لا يسافرون حول العالم وبالتالي كان من المتوقع أن يتأخر الفيروس في الوصول إليهم، لكن تلك الفرضية أيضا تواجه مشكلة، فحجم التبادل السياحي والتجاري بين الصين ودول مثل مصر وجنوب أفريقيا والجزائر ونيجيريا كبير ومؤثر، في الواقع فإن الصين تتخلل اقتصاديا إلى قارة أفريقيا منذ سنوات طويلة لدرجة جعلت الصينيين هم أكبر المستخدمين لخطوط طيران إثيوبيا على سبيل المثال.

حسنا، لتفسير تلك الظاهرة هناك مجموعة من الأسباب التي تبدو بديهية للوهلة الأولى، خذ التركيبة السكانية للقارة على سبيل المثال، فنحن نعرف أن أحد أهم عوامل الخطورة بالنسبة لـ “كوفيد-19” هي السن، في إيطاليا مثلا حينما بدأ الوباء في قتل نحو ألف شخص يوميا كان أحد الأسباب المطروحة أن معدلات الأعمار فوق 65 سنة في إيطاليا هي تقريبا الأعلى في أوروبا، نحو 22.5% من سكانها، في المقابل من ذلك فإن تلك النسبة بالنسبة لدول أفريقيا جنوب الصحراء هي فقط نحو 3%.

متوسط أعمار الأوروبيين هو نحو 43 سنة بينما متوسط أعمار الأفارقة، على تنوعهم، هو 19 سنة، لا بد أن هذا الفارق الهائل كان ذا علاقة بأعداد الحالات الخطرة في القارة. وبجانب العمر، فإن هناك اقتراحا يمد الخطوط على استقامتها بالنسبة لعوامل الخطورة، فبعض الدول الأفريقية لا تُعاني من أمراض مزمنة كارتفاع ضغط الدم والسكّري بنِسَب كتلك التي توجد في الولايات المتحدة أو أوروبا، وكانت هناك بعض الإشارات بالفعل إلى أن أكثر المدن تضرُّرا في جنوب أفريقيا، الدولة صاحبة أكبر عدد إصابات ووفيات في القارة، هي أكثر المدن التي توجد بها هذه الأمراض.

 

كذلك هناك فرضية “الطقس” حيث أشار بعض الباحثين منذ بداية الجائحة إلى أن انخفاض أعداد المصابين في الصيف راجع لطبيعة كورونا المستجد، فقد يكون -مثله مثل الفيروسات التاجية الأربعة الأخرى التي تنتشر في كل العالم- ذا طابع موسمي، يتأثر بالرطوبة والحرارة فتنخفض معدلات انتشاره، لكن رغم قوة تلك الفرضية فإنها غير مؤكدة إلى الآن، ويبدو لنا من متابعة بعض الدول العربية، مثل العراق والمغرب على سبيل المثال، أن الصيف كان أوج الإصابات فيها.

 

أضف إلى ذلك أن للقارة الأفريقية تاريخا مع الإنفلونزا الإسبانية، يمكن تحديدا أن نُلقي بنظرة أكثر تفحصا على انتشارها في روديسيا الجنوبية التي تُعرف الآن باسم زيمبابوي، كان سبب انتشار الوباء هناك هو البريطانيين القادمين من أوروبا المصابة بالوباء في تلك الفترة. تسبّبت الإنفلونزا الإسبانية في قتل 3% من سكان بعض المناطق، ومع فقر وسوء تغذية مناطق أخرى قتل منها 10% من السكان.

من جانب آخر، يقترح البعض أن بعضا من الدول الأفريقية تمتلك بنية تحتية ضعيفة خاصة في أنظمة النقل والمواصلات، وربما كان لمحدودية الحركة داخل الدول نفسها -مع انتشار القرى- دور كبير، في تلك النقطة يمكن أن نتأمل الوضع في مصر، حيث ظهرت أولى الإصابات في إحدى قرى محافظة الدقهلية، تلتها مجموعة من القرى في عدة محافظات، لكن خلال أوج الموجة الوبائية في يونيو/حزيران ويوليو/تموز كانت المدن الضخمة هي الأكثر في أعداد الإصابات، مثل القاهرة والإسكندرية في المقدمة. وفي محافظات مثل بورسعيد ودمياط فإن الأعداد كانت أيضا كبيرة، لأن مدن تلك المحافظات الرئيسية بها أكبر عدد من السكان، على عكس محافظات أخرى من الدقهلية أو المنوفية، بها عدد أكبر من القرى المنعزلة عن بعضها.

 

لكن رغم كل تلك الأسباب، فإنها لا تزال غير قادرة على شرح الانخفاض الواضح إلى الآن في أعداد الوفيات بالقارة السمراء، فسوء التغذية على سبيل المثال، وهو ظاهرة متفشية في أفريقيا جنوب الصحراء، هو أحد أكبر أسباب ضعف المناعة الذي يمكن أن يؤدي إلى خطورة أكبر مع وجود كورونا المستجد، خاصة في فئات ليست عادة تحت خط الخطورة بوجود “كوفيد-19” مثل الشباب والأطفال، من جانب آخر فإن التباين في معدلات الأعمار لم يكن محددا رئيسيا لأعداد الإصابات أو معدلات الخطورة في أوروبا والولايات المتحدة مثلا.

في تلك النقطة تظهر وجهة نظر لم يكن لأحد أن يُصدِّقها، حيث يتصور الناس عادة أن دول أفريقيا لن تلتزم بسهولة بإجراءات التباعد الاجتماعي، وأن الحكومات في أفريقيا جنوب الصحراء لن تتمكن بسهولة من تنظيم الأمر، لكن هناك شيء عادة ما يُغفَل في تلك الحجة، وهي أننا أمام منطقة من العالم عانت من قبل مع الأوبئة بشكل كثيف، من الإيدز إلى الإيبولا ومن مرض النوم إلى الملاريا، ربما كانت تلك المآسي عونا لهم في الأزمة.

 

أول ما يميز التجربة الأفريقية مع الجائحة كان بالفعل الاستجابة السريعة، بحلول نهاية مارس/آذار كانت معظم الدول قد فرضت حظر سفر على الدول الآسيوية والأوروبية الأكثر تضرُّرا، وفرضت حجرا صحيا إلزاميا لمعظم المسافرين. خلال شهري إبريل/نيسان ومايو/أيار، أغلقت أكثر من 40 دولة حدودها، ولم تسمح إلا بشحن البضائع وترحيل الأجانب. فرضت معظم الدول الأفريقية قيودا على الحركة والتجمعات العامة والمدارس، ووصل الأمر إلى حظر التجول، أضف إلى ذلك أن سكان تلك البلاد تقبلوا إجراءات الغلق بسهولة، وخفّض اعتيادهم على الأوبئة من قلقهم.

من جانب آخر يحاول بعض الباحثين حاليا رصد تأثير الأوبئة التي مرّت بالقارة على مناعة سكانها، فجهاز المناعة لا يتشكّل فقط من خلال الجينات، ولكن أيضا من خلال العوامل البيئية، على سبيل المثال يمكن أن نتأمل مفهوما قديما لكنه أصبح محل انتباه الباحثين مؤخرا، إنه “المناعة المدربة” (Trained Immunity)، وهي آلية مناعية تتضمن إعادة توجيه نوع من الخلايا المناعية الفطرية التي يمكن أن تُظهِر استجابة غير متخصصة، بحيث تتمكّن بشكل أكبر من مواجهة إصابات فيروسية مثل كورونا المستجد.
يشبه الأمر الفرضية الصحية (Hygiene hypothesis) التي تقول إن التعرُّض المبكر والمزمن لمسببات الأمراض يؤدي إلى تنشيط الخلايا المناعية بشكل استثنائي في البيئات القاسية، مما يؤدي إلى استجابة مناعية قوية لمواجهة الالتهاب الشديد، ويعتقد فريق من الباحثين، بحسب مقال بحثي نشر مؤخرا في دورية “ساينس” المرموقة، أن ذلك قد يكون أحد أسباب مقاومة القارة لـ “كوفيد-19″، خاصة أن القدرة على منع الالتهاب الشديد قد تكون علامة مهمة مرتبطة بالاستجابة لـ “كوفيد-19”.

في السياق نفسه، يحاول فريق بحثي في جنوب أفريقيا أن يبحث عن الأجسام المضادة الخاصة بفيروسات كورونا الأخرى في عيّنة قدرها عدة آلاف من السكان، عسى أن تُشير نِسَب وجودها إلى نوع من “عبور المناعة” بين الفيروسات التاجية، وهي فرضية تجد تأكيدا يوما بعد يوم، لكن إلى لحظة كتابة هذه الكلمات يظل انخفاض انتشار وخطورة “كوفيد-19” في أفريقيا سرا، يعتقد بعض العلماء أن كشفه قد يفيد البشرية كلها، خاصة ونحن في أوج الوباء، نسجل أكثر من 300 ألف حالة إصابة يوميا على مستوى العالم، وقد تخطينا بالفعل مليون وفاة.

 

حسنا، يبدو أن المشكلة التي تواجهنا حينما نحاول فهم “كوفيد-19” أفريقيا خلال أوج الوباء تتعلَّق بقدر البيانات الفقيرة جدا التي نمتلكها عن دول القارة، خاصة أفريقيا جنوب الصحراء، قد يكون الأمر مجرد مصادفة، قد يكون الوباء في طريقه للفتك بالقارة مستقبلا في موجات قادمة، وقد تكون إحدى تلك الفرضيات -أو جميعها معا- هي السبب فيما حدث، لكن ما هو مؤكد بالنسبة للجميع أن ذلك لم يكن متوقعا. ربما قريبا قد نكتشف الأسباب فيما حدث، او قد تبقى سرا من اسرار حضارة القارة السمراء.