X

عبدالباقي جبارة.. يكتب.. قراءة في الواقع الجديد الذي يتشكل في السودان.. أطراف الاتفاقيات في الحكومة الانتقالية ك عبدة الاصنام كل ما جاعوا أكلوا آلهتهم!!

الخرطوم. ترياق نيوز. قراءة : عبدالباقي جبارة

 

لعل المشهد السياسي السوداني يقترب من واقع لم يكن مستبعد للغالبية العظمى من المتابعين للأوضاع في السودان . حيث منذ التغيير الذي حدث في الحادي عشر من ابريل العام 2019م وما عقب ذلك من تنازع للحكم بين العسكر والمدنيين لم يخف “الجنرالات ” رغبتهم الجامحة في الاستمرار في سدة الحكم . فكانت كارثة فض الاعتصام في التاسع والعشرين من شهر رمضان المعظم التي راح ضحيتها المئات من الشباب بين شهيد وجريح ومفقود , ثم كان البيان الذي أعلن خلاله الفريق عبدالفتاح البرهان إلغاء التفاوض مع قوى اعلان الحرية والتغيير وعزمه تشكيل حكومة “تكنقراط ” تعقبها انتخابات عامة كما جاء في بيانه . ثم تبع ذلك تعبئة شعبية من قبل العساكر مع التضييق على المدنيين في وسائل الاعلام وقطع الانترنت .

 

في وقت ما زالت فيه جذوة الثورة مشتعلة فكانت “مليوينة 30 يونيو” التي أطاحت بأحلام العسكر ثم أستمرت حالة الاحتقان حتى برزت وساطات من الاتحاد الافريقي والجارة اثيوبيا , والتي أفرزت الوثيقة الدستورية وقادت لتقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين . هذا الاتفاق أدى الى انقسام وسط القوى المدنية من مكونات قوى اعلان الحرية والتغيير رفضها بشكل قاطع احزاب قوى الاجماع الوطني مثل الحزب الشيوعي السوداني وحزب البعث العربي الاشتراكي إلا أن كوادرهم نالوا نصيب الاسد من المناصب . كما تماهى معها الكثير من قوى الوسط . وأستمر الشد والجذب حيث بينما يرى البعض الاتفاق ضياع لمكتسبات الثورة يرى البعض الآخر بأنها فن الممكن , وإن المكاسب ممكن تتحق بالتدرج , الشاهد بأن رغم أن ظاهرها أي الوثيقة الدستورية كانت الغلبة للمدنيين إلا أن عندما بدأت تتنزل الى أرض الواقع وضح جليا سيطرة العسكريين وأنهم هم من يمسك بزمام الأمور يساندهم في ذلك قوى الظلام من أنصار النظام البائد حيث رويدا رويدا بدأت قوى الثورة تشعر بالخطر وبدأت تتحرك المواكب والمظاهرات وزاد الأمر تعقيدا الأزمات المتلاحقة وخاصة الأزمة الاقتصادية وجائحة “كورونا ” .

 

ووظف كل ذلك لدمغ المدنيين بالفشل أو هم كذلك . على كل حال الاتهامات توجه للمدنيين رغم أن السلطة شراكة مدنيين وعسكريين . وبما أن السلام هو أهم مطلوبات الثورة كانت مفاوضات جوبا والتي تصدر المشهد فيها أيضا الشق العسكري رغم مشاركة المدنيين الباهته . ويذكر بأنه أثناء سير المفاوضات مع حركات الكفاح المسلح أصبح الهجوم ثنائي على حاضنة حكومة الفترة الانتقالية بجانب الداعمين لسيطرة العسكر . والغريب في الأمر أصبحت قيادات الحركات المسلحة أكثر هجوما على المكون المدني في الحكومة رغم زعمهم أنهم شركاء في الحرية والتغيير , ولا يخفون مواددتهم للعساكر حيث كانت كل الأمور تشي بترتيب يقلب الطاولة ويغير خارطة الفترة الإنتقالية . فبدأ تآكل بنود الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية وأصبح أطرافها كعبدة الأصنام كل ما جاع أحدهم أكل إلهه . حيث تم التمهيد لذلك بأن كل ما جاء في الاتفاقية يطغى على ما هو موجود في الوثيقة الدستورية حتي أصبحت هذه الوثيقة الدستورية هيكل عظمي أو “صورة أشعة” عند الذين أكثر تشاؤما . ثم كانت الصورة أكثر وضوحا بعد توقيع وثيق السلام بعاصمة جنوب السودان في الثالث من أكتوبر الماضي . رغم أن هذا الاتفاق جاء ناقصا بغياب أهم طرفين يمكن يكونوا مكملين للعملية السلمية في البلاد هما حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور والحركة الشعبية شمال بفيادة عبدالعزيز آدم الحلو , لكن يرى البعض شئ خير من لا شئ وهؤلاء يأخذون بالمثل السوداني الشائع ” السايقة واصلة” بمعني إمكانية ألحاق الأطراف التي لم توقع على هذه الإتفاقية بعملية السلام . إلا أن الاتفاقية يبدو أن أطرافها أنفسهم سيضربون بعضهم بعضا حيث أصدموا بعقبة التنفيذ على أرض الواقع من الوهلة الأولى , عندما أعلن رئيس المجلس السيادي الفريق أول عبدالفتاح البرهان تشكيل مجلس شركاء الفترة الانتقالية أمس, حيث يرى الكثيرين بأن هذا المجلس هو “رصاصة الرحمة ” على الوثيقة الدستورية بإعتباره إلتفاف على المجلس التشريعي المزعم تشكيله قريبا , هذا من جانب الذين يرفضون إتفاق السلام من أساسه بإعتباره معيب ولا يحقق السلام أصلا . بل الأدهى والأمر تشكيل هذا المجلس أشعل الصراع داخل أطراف الإتفاق أنفسهم مثل حديث أركو مناوي الذي رفض منح قوى إعلان الحرية والتغيير “13” عضو وكذلك رفض حزب الأمة القومي وهدد بالإنسحاب بإعتبار القسمة ضيزى حيث طلب التمثيل بثلاثة أعضاء فمنح عضويين أثنيين فقط . من جانب آخر هدد مسار الشرق بالانسحاب ما لم تتم تسمية ممثيله , وآخرون مندهشون لتصدر العساكر للمشهد من جديد وخاصة دخول لاعب جديد هو قائد ثاني الدعم السريع عبدالرحيم دقلو الذي تلمس خطواته في العمل السياسي إبتداءا من هذا الجسم الجديد . ويبدو أن رئيس الوزراء دكتور عبدالله حمدوك أستشعر الخطر فجاء عنه الخبر التالي : ” كشفت مصادر مطلعة عن رفض رئيس الوزراء د.

عبد الله حمدوك لتشكيل المجلس التشاوري أو مجلس شركاء الفترة الانتقالية “سمه ماشئت ” بوضعه الحالي وقالت المصادر ان حمدوك أبدي تحفظات قدمها لقوى الحرية والتغيير ورهن مشاركته بأن يكون المجلس تشاوري يعني بحل الخلافات وأن لا يتدخل المجلس في عمل وسلطات الجهاز التشريعي و التنفيذي و السيادي بالإضافة إلى ضرورة أشتراك أثنين من الوزراء الحاليين وضمان تمثيل المرأة بصورة عادلة في تركيبة المجلس ” أنتهى حديث “حمدوك” . وهو يعلم إستحالة تنفيذ مطلبه وقد استشعر الخطر وأستصحب في ذلك إتهام البعض له بأنه أصبح مطية لتنفيذ مخطط العسكر وأنهم سيتخدمونه غطاء لتمرير أجندتهم . كما يرى البعض أن حمدوك يريد أن يلحق بالذين “قفذوا من المركب ” وأعلنوا أنسحابهم من مركزية قوى إعلان الحرية والتغيير بإعتبارها لم تصبح الحاضنة السياسية لحكومة الثورة وأن “الرمال ” متحركة لطمر آخر من تشبث بالبقاء فيها , والشاهد في ذلك المؤتمر الصحفي الذي عقده جسم جديد تزعمه المهندس محمد وداعة أبرز الذين كانوا فاعلين في المشهد الجديد بعد توقيع الوثيقة في أغسطس 2019م وكذلك متهم بأنه من “صقور” التمكين الجديد , حيث ظهر بجانبه بشرى الصائم تحت لافتة ” مجموعة استرداد منصة التأسيس .. من أجل استرداد ثورة ديسمبر المختطفة ” والتي أبرز فيها محمد وداعة الخطوات التي ضاعت عبرها منصة التأسيس ومن ثم إختطاف الثورة كما تتابعون ما جاء فى المؤتمر الصحفى الذي عقد ب”طيبة برس ” وكان أبرز المتحدثين فيه عضو حزب البعث العربي الاشتراكي السوداني محمد وداعة وتناقلت الوسائط الإعلامية عن هذا المؤتمر الخبر التالي : – أتهم القيادي في تحالف قوى اعلان الحرية والتغيير، محمد وداعة، المجلس المركزي- أعلى هيئة قيادية بالتحالف الحاكم في السودان- باختطاف القرار في الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية ورجح عدم هيكلة القوات النظامية العسكرية لعدم تنفيذ بنود الوثيقة الدستورية والتهرب من تكوين المفوضيات . وقال عضو حزب البعث السوداني، محمد وداعة في مؤتمر صحفي الاثنين أن المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير أتخذ قرارات في مواضيع كثيرة دون إشراك بقية المكونات.

 

 

 

وأضاف وداعة : “رئيس الوزراء عبد الله حمدوك منزعج وقدم مقترحًا لاقامة مؤتمر لتوحيد القوى السياسية في الحاضنة السياسية . وقال وداعة ألتقينا كبير مستشاري رئيس الوزراء الشيخ خضر والذي تعهد بالسعي إلى إصلاح قوى الحرية والتغيير”.
وتابع : “مشاركة المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير في جوبا في توقيع السلام كانت عبارة عن استعراضات اعلامية وليس انجازًا سياسيًا لأن المجلس المركزي مختطف من مجموعات سياسية”.
وأردف: “اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية خرق للوثيقة الدستورية بترأس نائب رئيس مجلس السيادة الفريق محمد حمدان دقلو “حميدتي ” للجنة وهذا الإجراء خاطئ وخرق للوثيقة لأن اللجنة يجب أن يترأسها مسؤول مدني”.
وقال وداعة، أن المادة 80 التي تأسس بموجبها مجلس شركاء الفترة الانتقالية تتعارض مع ثمانية في الوثيقة الدستورية وتحمل صلاحيات تنفيذية وسيادية وتشريعية وصلاحيات في علم الغيب.
وأشار عضو حزب البعث، إلى إن الفترة الانتقالية مهددة بعدم الاكتمال لعدم تكوين 15 مفوضية نصت عليها الوثيقة الدستورية مثل مفوضيات السلام والحدود والاصلاح القانوني والعدلي والعدالة الانتقالية والمرأة والمساواة النوعية وحقوق الإنسان والخدمة المدنية.
وأشار وداعة إلى أن اتفاق السلام لم يحقق هيكلة القوات النظامية والعسكرية وتابع : “هناك حديث سري بعدم وجود هيكلة للقوات النظامية العسكرية”.
وذكر محمد وداعة أن قيادات في الحرية والتغيير لاتزال تواصل اختطاف المجلس المركزي للتحالف الحاكم وتابع : “الأحد عقدوا اجتماعًا لتوزيع كيكة السلطة الجديدة”.
ورأى أن المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير تسيطر عليه ثلاثة قوى عقب خروج الحزب الشيوعي وحزب الأمة والبعث السوداني وتجمع المهنيين وأردف :”أتوقع أن يؤدي اختطاف المجلس المركزي البلاد الى كارثة”.
وقال وداعة : “كنت في لجنة ترشيحات وزراء وأعضاء مجلس السيادة وهناك جهة خفية تقوم بدور مؤثر جدًا وتم تضخيم الترشيحات بواسطة جهة خفية ولم تشارك الحرية والتغيير وتم طبخها ليلاً في بعض الأماكن”.

واتهم وداعة جهات لم يسمها بارتكاب فساد فيما أسماه تفكيك الفساد ووجود نوع من المحاباة وكشف وداعة عن وجود 38 ألف وظيفة شاغرة في مؤسسات الدولة ويتم إخفاء ذلك . متهما جهات بالاستيلاء على رواتب هذه الوظائف الشاغرة لمصالحهم الخاصة . أنتهى حديث وداعة الذي أصبح كأنه يقرأ واقع ليس ببعيد سيتسيد المشهد لم يتعد الأيام القريبة االقادمات وإلا إذا حصلت مفاجأة وتراجعت الأطماع سواء ذاتية أو بأمر الشارع كما كان في 30 يونيو 2019م التي قلبت الواقع رأسا على عقب . لكن يبدو أن الشارع أصبح مفكك بصورة كبيرة بفعل مقصود أو عوامل غير ذلك مثل تطاول الأمد على جذوة الثورة . على أي حال وتيرة الأحداث تتصاعد حيث جاء في وسائل الإعلام أمس الخميس الخبر التالي كأكبر دليل على ما أوردناه سالفا حيث يقول الخبر : “شبت خلافات حادة بين مكونات الحرية والتغيير والجبهة الثورية حول إعلان مجلس شركاء الحكم من قبل رئيس مجلس السيادة.
وقال مصدر لـ” صحيفة السوداني ” ، إن حزب الأمة القومي هدّد بالانسحاب من المجلس، وشدد على منحه ثلاثة مقاعد، وأن الأمة رفض الوساطات للقبول بالمقعدين اللذين مُنحا له، فيما اعترضت الجبهة الثورية على منحها ثمانية مقاعد، وقال المصدر إن مني أركو مناوي أخطرهم رسمياً برفض المجلس الجديد، وان الجبهة الثورية التي يقودها مناوي اعترضت رسمياً على منح الحرية والتغيير 13 مقعداً، وقال المصدر إن الحرية والتغيير أبدت تحفظات على وجود بعض الأشخاص غير المتفق عليهم، خاصة بعض الوجوه العسكرية، بالمقابل قال المصدر، إن مسار الشرق هدد بالانسحاب من اتفاق سلام جوبا حال عدم قبول تسمية مرشحيه لمجلس شركاء الحكم، وكشف المصدر عن اجتماع طارئ للمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير غداً الجمعة ” أنتهى الخبر ويبدو أن على الجميع ربط الأحزمة لأن الهبوط سواء كان ناعما أو خشنا قد بدأ فعليا في السودان وأن واقعا جديدا يتشكل الى أي جهة تميل الكفة هذا في رحم الغيب . لكن الذي لم ينتبه له الجميع هو بأن القوى الحقيقية التي صنعت الثورة مختفية تماما وتمارس صمت مريب وهي التي تخيف العسكر والمدنيين في الحكم على حد سواء , من يستطع كسبها وإخراجها من قمقمها سيكسب الجولة لا محال وبالتالي سيكون نصيرا للشعب السوداني المطحون بالأزمات .. الأيام القادمة كفيلة بوضع النقاط على الحروف .. والله يفعل ما يريد ..